السيد الخوئي
89
مصابيح الأصول
ثم جعل اللفظ المتصور للمعنى كذلك . وهذا يقتضى الالتفات إلى اللفظ لا الغفلة عنه فالغرض ان هناك عملية واحدة يتحقق فيها الوضع والاستعمال في آن واحد يستلزم ان يكون الشخص ملتفتا إلى اللفظ وغير ملتفت اليه ، أو فقل ناظرا اليه استقلالا وآلة في آن واحد ، وهو مستحيل . ولا يخفى ما فيه ، فان الوضع - باي معنى اعتبرناه - لا يخلو عن كونه أمرا قائما بالنفس يحتاج في مقام إظهاره إلى مبرز ، وكاشف ، وهذا المبرز ( تارة ) يبرز الوضع ابرازا مطابقيا مثل التزمت أو جعلت كذا لكذا . و ( أخرى ) يبرز ما هو لازم الوضع ، فينتقل إلى الملزوم بطريقة الملازمة ، فان اللفظ لو أبرز الاستعمال فقد أبرز الوضع التزاما ، إذ كل استعمال مسبوق بالوضع . فبابرازه للاستعمال يكون في نفس ذاك الوقت مبرزا للوضع لا محالة . غايته أن أحدهما كان بالمطابقة - وهو الاستعمال - والآخر بالالتزام - وهو الوضع . ومثله الهبة ( فتارة ) تبرز بمدلولها المطابقي فيقول : وهبتك كذا . ( وأخرى ) بمدلولها الالتزامي فيقول : خذ هذا الثوب - مثلا - . ولا ريب أن الملكية فرع الهبة . وقد أبرزها بنحو الالتزام . وأما دعوى لزوم الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالى لاقتضاء الاستعمال الغفلة عن اللفظ حينه فهي غير تامة ، إذ ربما يكون اللفظ غير مغفول عنه عند الاستعمال ، ويكون منظورا اليه استقلالا . وذلك كما لو كان قصد الرجل الأجنبي عن لغة إظهار معرفته بتلك اللغة ، فيقول : جئنى بالماء - مثلا - فهو بحسب الحقيقة مريد للماء ، ولكن غرضه متعلق بنفس اظهار اللفظ امام غيره ، وليس اللفظ منظورا اليه بالنظر الآلي ، كما وليس بمغفول عنه ، بل منظور بنحو الاستقلال بنفسه ، وملتفت اليه .